Picture
"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى ٤/ ٤)

إنّ الأجيال الأولى لم تعرف الصوم كشريعة مفروضة بل مارسته من قبل العبادة ولأكثر من غاية: فكان يصوم الإنسان ليعطي لصلواته وزناً أوفر، ليكفـّر عن خطاياه، ليوفـّر من ماله وعيشه ما يعطي الفقراء، أو للاستعداد والتهيئة للعيد.  ويذكر آباء الكنيسة الذين عاشوا في هذه الحقبة أن بعض المسيحيين كانوا يصومون يومين أو ثلاثة دون انقطاع، والبعض الآخر يصوم أسبوعين ما عدا السبت والأحد. وفي أواخر الجيل الرابع كان المؤمنون يصومون ثلاثة أسابيع. ويختلف علماء الطقوس اليوم في تحديد هذه الثلاثة أسابيع، فبعضهم يقول هي الثلاثة الأخيرة من الصوم، والبعض الآخر يؤكد بأنها: الأسبوع الأول والرابع والسادس.

 فهذا التطور "العددي" بدأ رويداً رويداً منطلقاً من النواة الأقـدم وهي الثلاثية الإعدادية لعيد الفصح المجيد إلى أسبوع الآلام إلى ستة أو سبعة أسابيع وذلك توصلاً إلى عدد الأربعين يوماً. وهذا العدد هو امتداد لتقليد الكتاب المقدس: فموسى وإيليا ... والسيّد المسيح صاموا أربعين يوماً.

 كان هذا الزمن المقدس زمن تهيئة للموعوظين، والزمن الأنسب للتوبة العامة، وهو أيضاً، وبالأخص زمن تهيئة لعيد القيامة المجيدة، يدخلنا إلى عمق سرّ الفداء الذي تحقق بموت وقيامة المخلّص. ويضعنا أمام مواعيد معموديتنا إذ يعيد إلى أذهاننا واقع حالنا لنعيش مع الكنيسة المجاهدة حياة صراع ضدّ الشيطان، وهذا الصراع لن ينتهي إلاّ بمجيء المسيح الثاني.

 زمن الصوم، في أغلب الأحيان، لا يذكرّ المؤمنين إلا بشريعة الانقطاع عن الطعام والشراب وهذا واسطة. أما الغاية منه أن نصوم روحياّ متجردين عن كل ما هو من العالم وللعالم، لنعيش بالقلب والروح عيشاً يعدّنا لعيد القيامة المجيدة.

 هو زمن ننظر فيه ونصغي إلى المسيح متشبّهين به: فكما صام نصوم، ونصلي كما صلّى، وكما علّمنا أن نصلي. وهو أيضاً زمن قبول قوة المسيح، القوة التي قاوم بها تجربة الشيطان واحتمل بها الصلب والموت والتي قام بها منتصراً.

 ليس الصوم عبادة فردية إنما هو احتفال طقسي مهم، عمل المسيح الذي يتم ويواصل في جسده الذي هو الكنيسة.

 وإذا ما فسّحت الكنيسة من شريعة الصوم، فما ذلك إلا لكون الطبيعة البشرية في يومنا أصبحت اقل قوة على احتمال التقشف، ولكن عدم وجود شريعة عامة تفرض الصوم على الجميع، فذلك لا يعني انه اصبح غير مرغوب فيه، بل إن الكنيسة الأم لثقتها بأبنائها المؤمنين وبغيرتهم على التشبه بفاديهم ومخلصهم، وبوعيهم لقيمة هذه الأعمال التقوية الخلاصية، انهم ولا شك يفرضون كل حسب مقدرته ومزاجه بعض الامتناعات عن الطعام، أو عن الكماليات فيه متذكرين أن هناك كثيراً من المسيحيين وغير المسيحيين يعيشون دون القوت الضروري لقيام حياتهم.

 وبذلك يكون زمن الصوم المقدس، زمن اقتداء أكمل بالفادي، واشتراك في عمل خلاصنا، وزمن محبة أوفر للقريب وللذات ولله.


 
 
  بقلم: البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم

  نرجو الرب يسوع أن يؤهلنا لاستقبال الصيام من اجل القيامة. ستجمعنا الكلمة ويجمعنا الشوق إلى المخلص الظافر وندنو متحابين ومستغفرين من الذي مجد بآلامه فجعلنا شركاء مجده. هذه دعوته إلينا ويتطلب منا انتباها إليها. وما الصوم سوى هذا الانتباه إلى متطلبات الله التي إذا أطعناها نحقق القداسة. هذا الزمان المملوء بذكر القيامة نحارب فيه الغفلة عن الله وفتورنا في ما يختص به وبخلاصنا. أن نخرج من اللامبالاة بالرب إلى الحماسة لشؤونه يقتضي إصغاء أشد إلى الكلمات التي نطق بها على ما قال هو: "الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة" (يوحنا 63:6). هذا يقودنا إلى الاعتكاف، إلى أن نجمع النفس إلى الصلاة والى تهذيبها بالصلاة لأنها، إذ ذاك، تكون صائمة عما يعطل مكوثها في الله. الإله الحي هو المطلوب في الصيام والصلاة روحه وزخمه. ما من شك في أن ثمة جانب الإمساك عن بعض الأطعمة. فمن أهم ما في هذا انك تصوم مع الجماعة، انك واحد مع الجماعة الممتدة من رعيتك إلى أقاصي الأرض. وقد اختبر اتقياؤنا في كل جيل الطيبات التي تتطيب بها النفس في هذا الزمان البهي وذاقوا الإحسان الإلهي الذي نزل عليهم. إن اليقظة التي تحل علينا لا تؤتي ثمارها كاملة إلا إذا جعلنا الفقير خيارنا الأساسي في هذا الموسم. فنحن نمتنع عن الطعام ليأكل هو. هذا كان منطق الصيام في الكنيسة الأولى. لم يكن الصوم رياضة شخصية إلا ليصبح مشاركة الأخ للأخ. "وكان عندهم كل شيء بينهم مشتركا" (أعمال 44:2). في هذا نبين أننا واحد. لا ريب إن الميسورين منا قادرون كثيرا على القيام بهذا الأمر الإلهي، غير أن كلا منا في حدود قدرته مدعو إلى عطاء ينعتق به من انغلاقه. جوهر صيامنا أن نجوع ليس إلى الطعام ولكن إلى الله، أن نشعر بأننا فقراء إليه، أن نؤمن بأن الحاجة إلى واحد، إلى هذا الإله الذي يغذينا بنعمته فنفهم - إذا جاء الفصح - أننا نلنا كل شيء. ليس الصوم سوى ترويض للنفس والقلب والعقل على أن الله، مهيمنا على الدنيا والتاريخ بمسيحه، هو كل الحياة. قد يكون هذا اقتناعك ولكن المحب يحيي اقتناعه كل يوم لئلا يفقده أو تصير فيه كلمات يجترها بلا إحساس. أهون الأمور أن تقول انك مؤمن لأنك ورثت هذا عن ذويك أو لأن الناس في بلادنا منخرطون في أديان. غير أن الكتاب يقول إن الإنسان يحيا بالإيمان ولا يقول انه مسجل عليه. أن تحيا به هو أن تزيل أسباب موته فيك أو أسباب ضعفه وفتوره. لهذا لا معنى لقولك انك مؤمن إذا كنت لا تبالي بالرمز الأساسي عندنا للإيمان وهو يوم الأحد الذي يسميه الكتاب يوم الرب (رؤيا :1 10) وكأنه يقول: انه يوم اللقاء الكبير والعميق بي، لأنه لقاء الجماعة بي إذ تجتمع لتبصر وجهي وتأكل جسدي وتشرب دمي. هذا هو اليوم الذي يغتسل فيه محبي بي فيصير خليقة جديدة (2 كورنثوس :5 17). هذا هو اليوم الذي يبدو فيه المؤمنون انهم سمعوا ما قلته يوما لأحبائي في كل جيل: "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم"  (متى :11 28). فإذا اجتمعنا وقبلنا بعضنا بعضا بالرضاء والغفران وإرادة التعاون وبنيان دنيا جديدة تقوم على العدل، نكون قد تجددنا بإيماننا ولمسناه فاعلا فينا وفي الاخوة ومن أعلناه له. الكنيسة هي المكان الذي نمتحن فيه إخلاصنا ليسوع واستمرارنا في شركته فنضم إلينا من ذاق حلاوة هذه الشركة ونعرف أننا معا إطلالة يسوع على العالم. لا يسعنا أن نتعاون  بأقوى ما عندنا وابهى ما عندنا، اعني ذلك القداس الاحدي الذي يترجم فيه السيد قيامته حضورا فاعلا في كل واحد منا وفينا مجتمعين. المسيح إذا جاء إلينا بهذه الصورة يتوقع أن نتلقاه. يطلب أن نكون جلساءه، أن نتعشى معه ويتعشى معنا (رؤيا :3 20). عندما يقول المخلّص بطرق شتى ومواضع عديدة أننا نأكل جسده ونشرب دمه فإنما يريد انه هو الذي يكوننا بذاته وان حياته هي إياها التي تصير حياتنا. لا شيء أوضح من هذه اللحمة التي لا نقدم فيها شيئا ونصير فيها المسيح ذاته. أما إذا أحجمت عن القداس الإلهي فمن ينشئك على الحب ومن يحييك؟ الست بذلك محاولا إقناع نفسك أن لك وجودا مستقلا عن اجتماع الاخوة، ذلك الذي تتجلى فيه سيادة الفادي على الكون. أن تقاعسنا عن الخدمة الإلهية أن لم نتب عنه يعني أننا ارتضينا الموت جماعيا لأن الموت الروحي هو بالضبط هذا: ألا تكون محتاجا إلى المسيح وألا تقول له ذلك وألا تقصد المطرح الذي تتناول فيه العشاء الذي أعده للذين يحبونه. لعلك إذا ذقت حلاوة يسوع لا تفوّت فرصة الاستماع إليه في كل الخدم التي يمكنك أن تشترك بها، لأنها كلها مواعد حب بينك وبين المعلّم، ولأنها تكشف لك ما تحتاج نفسك إليه. كل هذه الصلوات مركبة معاً تدفعك إلى اللقاء الكبير مع السيد صبيحة الأحد. وإذا خرجت من المعبد تحمل معك في قلبك كل الذين التقيتهم وكذلك الذين تخلّفوا لعذر مقبول أو تخلّفوا بسبب من فتورهم، وتلتهب ليعودوا، وقد لا يكون الحاضرون على طرق الكمال الروحي، وقد لا يأخذون المسيحية مأخذ الجد. ولكن المتحمسين والكسالى اخوتك أيضا وهم في حاجة إلى افتقادك ولا سيما إذا كانوا من المحتاجين. كل محتاج على الأقل إلى محبتك، هذه تعبّر عنها يومياً والا أمست قولاً يقال. وإذا ظهرت حاجتهم إلى مساعدة مالية فاقترب إليهم وتواضع أمامهم وبيّن لهم اخوتك وضمن الاخوة الصادقة الطيبة ابذل لهم ما استطعت لأنهم عندئذ يصبحون مولودين من الله. لا شك في أن وحدتنا مع الاخوة المحتاجين تدعونا إلى تعزيز المؤسسات التي ترعاهم والى إنشاء مؤسسات جديدة حتى لا يحس احد منا أن الجماعة تهمله. اجل، أن الكنيسة ليست بديلاً من الدولة وهي الراعية الاجتماعية بامتياز في العصر الحديث. غير أن النخوة تفرض علينا ألا نعيش ونحن نرى الناس يجوعون أو نراهم بلا تطبيب أو بلا تعليم. لا بد من تشاور بيننا وتحسس بالمرميين على طرق الوجود، المنسيين في كل مكان لنظهر لهم انهم سادة بيننا واننا لهم. فإذا انضممنا نحن إليهم بالافتقاد يحسون أن يسوع قد ضمّهم إلى صدره. أن حياتنا الواحدة في الكنيسة تفترض أن "نحمل بعضنا أثقال بعض" (غلاطية: 2:6)، ومن الأثقال طبع الناس. انهم قد يجيئونك من ضعف أو من نميمة أو من رغبة في الخصام. احملهم جميعاً لأنهم خراف المسيح. وإذا حملتهم شفوا. أن وحدة الكنيسة هي أولا هذه الوحدة المحسوسة بيننا جميعاً. ولا يحتمل احدنا الآخر إلا بالمسامحة الكبرى، وقد يكون الأولون في المسؤولية مهملين إياك كائنا ما كان السبب. اغفر للأولين وللآخرين وعد إلى رباط الوحدة لان المسيح هكذا يحيا فينا. هذه المشاعر المتعلقة بالصلاة والصوم وتكريس النفس في العطاء وبالمشاركة بعامة تجمعنا إلى كل من احب يسوع المسيح. الذين يغتذون مثلنا من جسد الرب ودمه في كنائس أخرى، إذا كانت قلوبهم ممتلئة محبة إنما نسير معهم على طرق واحدة. فإذا هم تقدسوا نتقدس بهم، وإذا نحن خطونا خطوة نحو السيد فإننا نحملهم في قلوبنا إليه. أن الصيام الذي نمارسه معاً إنما يدل على أننا وإياهم نبتغي القداسة، وهي الباب الوحيد إلى الوحدة المحققة على الأرض بعد أن جعلنا المسيح معاً في داخل ذاته. لسنا نعلم بعد الشكل الذي ستتخذه الوحدة. غير أننا كلنا جادون في سبيل تقارب لا يمحو أحدا ولا يلغي تراثاً شرعياً ولكنه يفتح الأبواب أمام انصباب الجهود والأفكار حتى لا يجدف على اسم الله بسببنا (رومية 24:2). ليس المجال هنا لنفحص العثرات التي تحول دون التقائنا الكامل هنا وهناك. غير أننا في حاجة إلى أن ننقي نياتنا كل التنقية ونحترم بعضنا بعضاً في "محبة بلا رياء".
أن نكون فصحيين، شباناً وشيوخاً، في الفرح والحزن واقعين حتى نقوم، وقائمين حذرين من الوقوع. هذا هو أسلوبنا وهذه طريقنا وذلك هو إيماننا إذا استطعنا أن نقيم علاقة صميمية مع يسوع، وإذا قرأناه على انه كل الوجود. كل ما نقيمه من أعياد وعبادات ما هو إلا تجليات لشخص السيد. فإذا لم نلقه لقاء الحبيب والحبيب تكون أعيادنا حاجبة له. وما ينبغي أن نذكره دوماً أن المسيحية ليست نظاماً دينياً يقوم على شرائع وأحكام، على أمر ونهي، إنها حبنا للسيد بعد أن أدركنا انه جاء فقط ليحبنا، حتى إذا عرفنا ذلك نرتاح إلى أن نكون مضمومين إليه فنجد في ذلك سلامنا والعزاء. ولاختبارنا انه صار حياتنا كلها تهون علينا الصعاب بل نستهين بها. انه يذللها إذ جعل قلبنا مسكنا له ولأبيه وروحه. فمن الداخل الذي هو ينشئه نواجه ما يبدو جبالاً فتتفتت في المواجهة. أن ترى المسيح نورك وحياتك كلها هو ما يجعلك تؤثره على كل شيء. هذه الرؤية وحدها تمكنك من التوبة التي هي رجوع قواك إليه بحيث لا يبقى لك فكر مستقل عن فكره، أما إذا حلت الخطيئة بما تحمله من وجع ومرارة وقوة المأساة فلا خروج منها إلا إذا منّ عليك المسيح من جديد بأن تراه فجراً يهتك الظلمات. أن ذهاب الخطيئة عنك لا يتم إلا بلقاء جديد بينك وبين يسوع. اجل الخطيئة موجعة ولكنها لا تمحى بمجرد الندامة التي هي تحسر وتذكر للماضي الأليم. ولكنها تستأصل بمجرد يقينك بأنك حبيب السيد وبأنك تريد من جديد الخلوة إليه. هذه الخلوة هي غاية الرياضات الروحية التي نقوم بها في هذا الموسم وغيره من المواسم. هي الغاية لكل قراءة روحية ولكل افتقاد اخوي. الناس مطارح حب تلقى فيها المسيح. فمن الواضح أن المسيح ليس لمسرّتك وحدك ولكنه لينتشر بك، لتكون له شاهداً. انه لا يصير للعالم ولكل واحد في العالم إلا بك. المسيحية رسالة وجود فتغيير إذا أصغى الناس إلى الكلمة. فإذا أطاعوا الدعوة يتغيرون أو يكونون قد تغيروا، والا تكون الدعوة مصلوبة على جهالتهم، مأساتهم تمردهم وتمردهم وجعنا، البر لا يتغلب على المعصية تغلباً آلياً. ولذلك نبقى في الألم وفي الرجاء معاً حتى يسلم المسيح الملك لله الآب (1 كورنثوس :15 24). في ما نحياه الآن يبدو لنا أن الشهادة الملحة هي شهادة السلام وان الخلاص يعني اليوم في ما يعنيه الخلاص من الحرب بعدما أمست مجنونة بلا حدود. الحرب لم تبقَ محصورة بإرادة التوسع وشهوة المطامع وإذلال الصغار، ولكنها هنا وهناك ابادة للهويات. والغريب في كل هذا بعدما ظننا بعضاً من الشعوب سالكة سلوك التقارب والتضامن ومحو العصبيات الموروثة، الغريب أن هناك بعثاً للتطرف الاثني والتشنج الطائفي، ما جعل الحروب الصغيرة تكثر في غير قارة. كل هذا جعل التهجير تعبيراً عن الخوف الجماعي والاقتناع أن الغازي لن يتعايش والمغزي وانه مصمم على اقتلاعه من ارض لا مشاركة فيها. والغاية ليست في أن ترحل عن الأرض ولكن أن ترحل عن التاريخ، إذ لا يجوز بقاؤك لان ماضيك أن ثبت وثبت فيه مجدك قد يوليك بعض حضور اليوم أو يدعم مزاعمك في الاستمرار. وما يحز في الصدر ألما أن هنا تحيزاً لا يطاق. فالحماية ليست دائماً للضعيف، ولكنها تدور في حركة مصالح دولية. ولا يخفي الكبار أن تحركهم هو لرعاية مصالحهم وما ظلوا متمسكين بترداد عبارة ظاهرها ألطف ولو كانت اكثر رياء وهي التوازن الدولي. هناك اقتحام بلا حياء يجعل تفويض العدالة العالمية إلى هيئة الأمم المتحدة غير ذي موضوع. كان دائماً بون في السياسة بين المقول والمفعول. هذه المسافة تعاش اليوم ولا حاجة إلى تزكيتها، وليتذمر من يتذمر ويحزن من يحزن ولييأس من المثل العليا من شاء. ويريدونك أن تسلّم بأن الحرب الشاملة على ما يسمى الإرهاب هي شرط للسلام ولا حاجة إلى أن تثبت التهمة ولا في امتناع احد أن إشاعة الموت ليس من طبيعتها أن تأتي بالحياة. في هذه الدنيا من في يده مفتاح الحياة والموت، حياة الشعوب أو تلاشيها هكذا مجاناً أو هكذا اختلالاً عقلياً. أن تعيش امة من الأمم سيدة يبدو أمرا مسكراً يذكرنا بقول الرب قديماً في صور: "وقل لصور ايتها الساكنة عند مداخل البحر تاجرة الشعوب... يا صور أنت قلت أنا كاملة الجمال، تخومك في قلب البحور. أبناؤك تمموا جمالك... كثرت ثروتك وارتفع قلبك بسبب غناك... من اجل انك جعلت قلبك كقلب الآلهة" (راجع حزقيال 27 و28). قد تأتي الويلات وقد لا تأتي على عتاة الأرض. ولكن العاتي يموت روحيا ابدا وينتصر المنسحقون في قلب الله حتى يأتي يوم عدالة منظورة. المهم ألا نسجد للقوة. فان من يدعى عظيما اليوم قد يزول غدا كعشب الصحراء أو كظل مائل. والكثير من الغطرسة يبدو من تحكم الشعوب الغنية بالشعوب الفقيرة لأن الأكابر لا يفهمون أن السلام هو المشاركة، وان ثروات هذه الأرض هي لأهل الأرض جميعا من اجل التأمين للحد الأدنى من العيش، ذلك الذي نهرب فيه من المجاعة. فليكن اقل مطلب ألا يتفشى الجوع، ومن بعد هذا تكافح الأمية طلبا لأدنى المعارف ليضمن بذلك العمل ونبدأ الصعود على معراج المعرفة وما أمكن من التحرر بالمعرفة. عندما تكون اللامساواة ظلما فاضحا يتأذى الموهوب والمحروم معا. فالعدل ليس محصورا في حدود الدولة القومية. انه في التوق إلى إنسانية متكاملة تتجاوز حدة العرقيات إلى هذه الوحدة التي ستكون إليها في اليوم الأخير بعد أن يفصل المسيح الخراف عن الجداء. يهمنا السلام في العالم كله لأن المسيح رئيس السلام، لأن الإنسانية مثل إنسان واحد أمامه، مثل جسد واحد، والأمم أعضاء متكاملة في هذا الجسد ولئن كانت لكل عضو وظيفة تتكامل والوظائف الأخرى. نحن نفهم أن لكل شعب ميراثا ثقافيا أو وجدانيا. له ذاتيته وينميها وفق مواهبها أو مقوماتها، ولكن ليس إلى حد الإماتة للشعوب الأخرى وان كان لا مهرب أحيانا من الاختصام بسبب من تأكيد ذات جماعية ينكرها عليك الآخرون. وهذا هو المعنى العميق للاستقلال. ما كان الاستقلال لتأكيد فوقية ولكنه سعي إلى توافق أفضل في تنوع المواهب التاريخية. أن سيطرة شعب على شعب هي إلغاء صامت له. وقد تكون أسوأ من الإلغاء العسكري. وهذا صحيح في علاقة الأفراد كما في علاقة الشعوب. الموت في حقيقته  هو انك لا تحتاج إلى الآخر أو تتصرف كأنك لا تعرف حاجتك إليه. وقد تقول له انك تعايشه في سلام ولكن السلام ليس في المدى الذي بينك وبين الآخر. هو في عيشك وعيشه أن لم نقل انه في قلبك وقلبه. وفي لغة العلاقات الدولية انه في سياستك لنفسك قبل أن يكون سياستك للآخر. أن تقود امة نفسها إلى السلام ينشئ فيها العدل الذي هو الوحدة بين الشعوب كما هو الوحدة بين أهل الحكم والمواطنين. .. غير أن السلام الذي ننشده في العالم العربي إنما يتأثر بسلام كل بلد عربي بما في ذلك العدالة قرينة السلام. فالعدالة هي التي تفرض نموا اقتصاديا في مختلف بلداننا، والقضاء على كل أسباب التخلف في الإنتاج والثقافة والنضج المجتمعي، وذلك في حركة تعاضد الشرائح الاجتماعية وتآزرها، بحيث يكافح الغبن والقهر المولدان للعنف بكل أشكاله. أن التنوع الفكري والمواجهة الفكرية شرطان من شروط الحرية. والكرامة هي في الحرية. أن في الإنسان العربي طاقات إبداع وعمل وطني ومشاركة سياسية تؤهله حقا ليبني وطنه بمسؤولية. سوف نحمل همّ السلام في طريقنا إلى الفصح، أعدنا الله جميعا له في موسم الإمساك عن الأهواء، لنتمتع نحن والناس كلهم بالنعمة القدوسة واللطف الإلهي. كان الله معكم حتى رؤية القيامة.
 
 
قداسة البابا

بندكتوس السادس عشر

  حاضرة الفاتيكان 2011

 









منشورات

اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام

جل الديب - لبنان



«تُدفَنون معه في المعموديّة، وتُنهَضون أَيضاً معه» (كو 2: 12).

أيّها الإخوة والأَخوات الأَعزاء،

1- الصيامُ الذي يقودنا إِلى الاحتفال بالفصح الكليِّ القداسة، يشكّل للكنيسة زمناً ليتورجيّاً بالغَ القيمة والأهميّة. لذا، بكلِّ سرور أُوجّه إِليكم هذه الرسالة، كي نتمكن فَنعيشَ هذا الصيام بما يتوجَّب من حرارة. إِن الجماعة الكنسيّة، في انتظارها اللقاءَ النهائيَّ مع عريسها في الفصح الأَبديّ، تكثّف سبيل تطهيرها بالروح، بصلاةٍ متواترة ومحبّة عاملة، كي تنهل بوفرةٍ أَكبر، من سرِّ الفداء، الحياةَ الجديدةَ التي في المسيح الربّ.

يومَ معموديّتنا، سبق ونلنا هذه الحياة، عندما «وقد أَصبحنا مشاركين في موت المسيح وقيامته» باشرنا «مغامرة التلميذ الفرحة المحمِّسة». يشدّد القديس بولس في رسالته، مرّاتٍ عديدةً، على الشراكة الخاصّة مع ابن الله، التي تتحقّق وتتمّ لحظة التغطيس في مياه المعمودية. ولمّا كان العمادُ يُمنح غالبَ الأَحيان في مطلع العمر فهذا دليلٌ واضحٌ على أَنه هبةٌ من الله: لا أحدَ يستحقُّ الحياة الأَبديّة بقواه الخاصة. إن الرحمة الإلهيّة التي تمحو الخطيئة وتمنحنا أَن نحيا كياننا مع «الأَفكار نفسها التي في المسيح يسوع»، تُعطى للإنسان مجّاناً.

إِن رسول الأُمم، في رسالته إِلى أهل فيليبّي، يُطلعنا على هذا التبدّل الذي يحصل بالاشتراك في موت المسيح وقيامته، ويدلّنا إِلى الهدف المتّبع: «...أن أَعرفَه هو، وأَعرفَ قدرةَ قيامته، والشراكة في آلامه، فأَصيرَ على صورته في الموت، على أَملِ البلوغ إِلى القيامة من بين الأَموات». المعموديّة إِذاً ليست طقساً أَو رتبةً من الماضي، إِنها اللقاءُ مع المسيح الذي يُعطي شكلاً لكيان المعمَّد بأكمله، وهي تَنقل إِليه الحياة الأَبديّة وتدعوه إِلى ارتدادٍ صادق، تحرّكه النعمة وتسانده، وتسمح له هكذا بأن يبلغ إِلى ملءِ قامة المسيح.

رباطٌ مميَّزٌ يجمع بين المعموديّة والصيام، بصفة هذا الأَخير زمناً صالحاً لاختبار النعمة التي تخلّص. لقد أَطلق آباءُ المجمع الفاتيكانيّ الثاني نداءً إِلى جميع رعاة الكنيسة كي «يُزاد في استعمال العناصر العماديّة الموجودة في ليتورجيّا الصوم الأَربعينيّ...».

في الواقع، جمعت الكنيسة منذ نشأتها بين السهرانيّة الفصحيّة والاحتفال بالمعموديّة: ففي هذا السرّ يتحققُ السرُّ العظيم حيث يموت الإنسان عن الخطيئة ويصبحُ شريكاً للحياة الجديدة في المسيحِ القائمِ من بين الأَموات، وينالُ روحَ الله نفسَه الذي أَقام يسوعَ من بين الأَموات. هذه العطيّة المجانيّة يجب أَن تتجدّد على الدوام في كلّ واحدٍ منّا، والصيامُ يوفّر لنا مساراً شبيهاً بمسار الموعوظيّة التي تشكّل لمسيحيّي اليوم، كما كانت لمسيحيّي الكنيسة الأُولى، مكاناً للتمرّن على الإِيمان والحياة المسيحيّة لا غنىً عنه: إِنهم يعيشون حقاً معموديتهم كعملٍ حاسمٍ يسِمُ وجودَهم كلَّه.

2- كي نسلك الطريقَ بجدٍّ نحو الفصح ونتهيّأَ للاحتفال بقيامةِ الربّ – التي هي أَبهج وأَفخم عيدٍ في السنة الليتورجيّة – ما الممكن أَن يتوافق وذاك السبيلَ سوى أَن ننقاد لكلمة الله؟ لذلك، فالكنيسة، من خلال نصوص الإِنجيل التي تُتلى في آحاد الصيام، تقودنا إِلى لقاءٍ في غاية العمق مع الربّ، وتجعلُنا نسلكُ من جديد مراحلَ التنشئة المسيحيّة: للموعوظين كي ينالوا سرَّ الحياة الجديدة؛ ولمن سبقوا وتعمّدوا، كي يقوموا بخطواتٍ حازمةٍ في إِثر المسيح، في عطاءٍ أَكثر كمالاً.

فالأَحدُ الأَوّلُ من مسيرة الزمن الأَربعينيّ يُلقي الضوءَ على وضعنا الأَرضيّ. إِن صراع يسوع الظافرَ على التجارب، الذي يَستهلّ به زمنَ رسالته، يدعونا إِلى وعي هشاشتنا كي نتقبّل النعمة التي تحرّرنا من الخطيئة وتقوّينا، بطريقةٍِ جديدة، في المسيحِ الطريقِ والحقِّ والحياة. إِنّها دعوةٌ ملحاحة تذكّرنا، على مثال يسوع وبالاتحاد معه، أَن الإِيمانَ المسيحيَّ يتطلّب صراعاً ضدّ «وُلاة عالمِ الظلمة هذا»، حيث الشيطان يعمل. وهو ما زال، حتى في أَيامنا الحاضرة، يجرّب كلَّ إِنسان يريد التقرّب من الرّب: والمسيحُ يخرج ظافراً من هذا الصراع كي يفتح قلبنا أَيضاً على الرجاء ويقودنا إِلى الانتصار على مغريات الشرّ.

إِنجيل تجلّي الربّ يجعلنا نتأمل في مجد المسيح الذي يسبق ويبشّر بالقيامة ويُعلن تأليه الإِنسان. وتكتشف الجماعةُ المسيحيّة أَنها، على أّثر الرسل بطرسَ ويعقوبَ ويوحنّا، تُقاد «إِلى موضعٍ منفرد، على جبلٍ عالٍ»، كي تتقبّل عطيةَ النعمة الإلهيّة، بطريقةٍ جديدة، في المسيح، بصفة أَعضائها أَبناءً في الابن: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ، فله اسمعوا». هذه الكلمات تدعونا إِلى التخلّي عن الصخبِ اليوميّ كي نغوص في حضرة الله: إِنه يريد أَن يبلّغنا كلَّ يومٍ كلمةً تنفذ حتى أَعماقِ الروح، حيث تميّز الخيرَ من الشرّ وتثبّت إِرادتنا في اتّباع الربّ.

«أَعطيني لأشرب». طلبُ يسوعَ هذا إِلى السامريّة، الواردُ في ليتورجيّا الأَحد الثالث، يعبّر عن حبّ الله لكلّ إِنسان ويريد أَن يثير في قلبنا الرغبةَ في الحصولِ على عطيّة «الماء المتفجّر حياةً أَبديّة»: هي عطيّة الروح القدس التي تجعل من المسيحيّين «عابدين حقيقيّين» قادرين على أَن «يعبدوا الآب بالروح والحقّ». وحدَها هذه الماء قادرةٌ على أَن تُروي عطشنا إِلى الخير والحقّ والجمال! وحدَها هذه الماءُ التي يمنحنا إِيّاها الابنُ قادرةٌ على أَن تسقي صحارى النفس القلقة والمتعطّشة «طالما لا ترتاح إِلاَّ في الله»، حسب التعبير الشهير الذي تفوّه به القديس أَوغسطينس.

«أَحدُ الأَكمَه» (أي الأَعمى منذ مولده) يقدّم لنا المسيح كنورٍ للعالم. والإنجيل يخاطب كلاًّ منّا، قائلاً: «أتؤمن أَنتَ بابن البشر؟». «نعم. قد آمنتُ، يا ربّ»، يجيب بفرحٍ الأكمَه الذي يتكلّم باسم كلِّ مؤمن. معجزة هذا الشفاء هي العلامة أن المسيحَ، بإعادة البصر، يريد كذلك أَن يفتح بصيرتنا حتى يكون إِيمانُنا أَكثرَ عمقاً، فنستطيعَ أَن نعرفَ فيه مخلّصنا الأَوحد. إِن المسيحَ يُضيءُ كلَّ ظلمات الحياة ويمنحُ الإِنسانَ أَن يحيا «كابنٍ للنور».

عندما يُعلن إِنجيلُ الأَحد الخامس قيامة لعازر، نجد أَنفسنا أَمام سرّ كياننا الأَسمى: «أَنا القيامة والحياة... أتؤمنين بهذا؟». على أثر مرتا، آن الأَوان للجماعة المسيحيّة أَن تضع، مجدّداً وبكلِّ وعي، رجاءَها كلَّه في يسوع الناصريّ: «نعم، يا ربّ، أَنا أُؤمن أَنكَ المسيح، أَنكَ ابنُ الله الآتي إِلى العالم». تُعدّنا الشراكة مع المسيح في هذه الحياة كي نجوز عائق الموت فنحيا في المسيح إِلى الأَبد. إِن الإِيمانَ بقيامة الأَموات ورجاءَ الحياة الأَبديّة يفتحان عقلنا فنفهمُ المعنى الأَسمى لكياننا: لقد خلق الله الإِنسان للقيامة وللحياة؛ هذه الحقيقة تضفي بُعداً حقيقيّاً وراسخاً على تاريخ البشريّة، على الكيان الشخصيّ، على الثقافة والسياسة والاقتصاد. إنّ الكون بأَسره يضمحلُّ إِذا ما حُرم نورَ الإيمان، ويصبحُ سجينَ قبر،ٍ فلا مستقبل له ولا رجاء.

مسيرةُ الصيام تجد تَمامها في الثلاثيّة الفصحيّة، وبالأَخصّ في السهرانيّة الكبرى، عشيّة الليلة المقدّسة: بتجديد مواعيد المعموديّة، نعلن مجدَّداً أَن المسيحَ هو سيّدُ حياتنا، هذه الحياة التي أَعطاناها الله عندما وُلدنا من جديد «بالماء والروح»، ونؤكّد من جديد عزمنا الراسخ على التجاوب مع فعل النعمة كي نكون تلاميذه.

3- إن تغطيسنا في موت المسيح وقيامته، بواسطة سرّ المعموديّة، يحثُّنا كلَّ يوم على تحرير قلبنا من ثقل الأَشياء الماديّة، من الارتباط الأَنانيّ مع «الأَرض»، الذي يفقّرنا ويحولُ دونَ أَن نكون جاهزين ومتقبّلين لله وللقريب. في المسيح، أَعلن الله أَنه محبّة. وصليبُ المسيح، «كلامُ الصليب» يُظهر قدرة الله الخلاصيّة التي تقدّم ذاتها كي تسموَ بالإِنسان وتقودَه إِلى الخلاص: إنّها طريقةُ الحبّ الأَكثر جذريّةً. بالممارسة التقليديّة للصوم والصدقة والصلاة، وهي علاماتٌ تؤكّد رغبتنا في الارتداد، يعلّمنا الصيام بأَن نحيا حبَّ المسيح بطريقة أَكثرَ فعاليّة على الدوام. إِن الصوم، ويمكن أَن تكون له أَسبابٌ مختلفة، يتّسم عند المسيحيّ بمعنى دينيّ عميق: عندما نخفّف من ترف مائدتنا، نتعلّم التغلّب على أَنانيّتنا فنحيا منطق العطاء والحبّ؛ وعندما نرتضي الحرمان من أَيِّ شيء – لا يكون فقط من النوافل -، نتعلّم أَن نشيحَ بالطرْف عن «الأَنا» فنكتشفَ شخصاً بالقرب منّا ونعرفَ الله في وجه العديد من إخوتنا. ممارسةُ المسيحيّ الصومَ ليس فيها شيءٌ من الخصوصيّة، لكنّها بالأَحرى انفتاحٌ على الله وعلى شقاء البشر؛ وتعمل بحيث تُصبح المحبّةُ لله محبّةً للقريب أَيضاً.

في طريقنا، نواجه أَيضاً تجربةَ التملّك وحبِّ المال التي تعارض أَولويّة الله في حياتنا. إِن جشع التملّك ولّد العنف والإخلالَ بالواجب والموت؛ لذلك فالكنيسة، بالأَخصّ في زمنِ الصيام، تدعو إِلى ممارسة الصدقة، أَي إِلى التقاسم. بينما، على العكس من ذلك، عبادةُ الخيرات لا تفصلنا فقط عن الآخرين، بل تفرغ الكائنَ البشريَّ وتهملُه في التعاسة، بالكذب عليه وخداعه دون أَن تحقّق له أَيّاً من وعودها، لأَنها تُحلُّ الخيورَ الماديّة محلَّ الله، ينبوعِ الحياة الأَوحد. كيف يمكننا إِذاً أَن نفهم صلاح الله الأَبويّ إِذا كان قلبنا مشبعاً من ذاته ومن مشاريعه التي توهم بأنها قادرةٌ على أَن تؤمّن مستقبلنا؟ فالتجربة تقوم على أَن نفكّر كالغنيّ في المثل: «يا نفسُ، إنّ لكِ خيراتٍ كثيرة، مدَّخرةً لسنين كثيرة…». ونعرف ما كان جوابُ الله: «يا جاهل، إِنكَ في هذه الليلة تُطلب منكَ نفسكَ…». إِن ممارسة الصدقة تُعيدنا إِلى أَولويّة الله وإِلى الاهتمام بالآخر، إِنها تجعلنا نكتشفُ من جديد صلاح الآب وننالُ رحمته.

في فترة زمن الصيام كلّه، تقدّم لنا الكنيسة بوفرةٍ كلامَ الله. بالتأمل فيه واستيعابه كي يتأوّن في الواقع اليوميّ، نكتشف طريقةَ صلاةٍ بالغةَ الثمن وفريدةً من نوعها. في الواقع، إِن الإصغاءَ المتنبِّه إِلى الله الذي يتحدّث إِلى قلبنا على الدوام، يغذّي طريقَ الإِيمان الذي سلكناه يومَ معموديّتنا، والصلاةُ تسمح لنا أَيضاً بأَن نلج في مفهومٍ جديدٍ للوقت: بدون منظور الأَبديّة والتسامي، ما الوقت في الواقع سوى إِيقاعٍ ينظّم وقع خطانا نحو أُفقٍ مسدودٍ. فيما، على العكس من ذلك، إذا صلّينا إِنما نكرّس وقتاً لله، فنكتشفُ أَنَّ «كلامه لا يزول»، وندخلُ في شراكةٍ حميمةٍ معه «لا يستطيع أحدٌ أَن ينتزعَها منّا»، وتُفضي بنا إِلى الرجاء الذي لا يخيب، إِلى الحياة الأَبديّة.

وخلاصة القول، إِن مسيرة الصيام، حيث نُدعى إِلى التأمل في سرّ الصليب، تعني أَن نصير «على صورة المسيح في موته» كي نحقق في حياتنا ارتداداً عميقاً: أن ننقاد لعمل الروح القدس فيبدِّلنا، كما تبدَّل القديس بولس على طريق دمشق؛ أن نكيّف بحزمٍ حياتنا، وفقاً لإرادة الله؛ أن نتحرّر من أَنانيّتنا فنتجاوزَ غريزةَ التسلّط على الآخرين وننفتحَ على محبّة المسيح. فترةُ الصيام هي زمنٌ صالحٌ لنعرفَ هشاشتنا، ونتقبّلَ، من خلال إِعادة نظرٍ في حياتنا صادقة، نعمةَ سرِّ التوبة المجدِّدة، فنسيرَ بعزمٍ نحو المسيح.

أَيّها الإخوة والأَخوات الأَعزاء،

بلقائنا الشخصيّ مع فادينا، وبممارسة الصوم والصدقة والصلاة، يقودنا طريقُ الارتداد نحو الفصح إِلى أَن نكتشف، بطريقة جديدة، معموديّتنا، لنتقبّلنَّ مجدّداً، في زمن الصيام هذا، النعمة التي منحنا إيّاها الله ساعةَ معموديّتنا، كي تنيرَ وتقودَ جميعَ أَعمالنا. ما يعنيه هذا السرّ ويحقِّقه، نحن مدعوّون إِلى أَن نحياه يوماً بعد يوم، باتّباعنا المسيح دائماً بسخاءٍ اَكبر وبمصداقيّة أَعظم.

في طريقنا هذا، نعهدُ بذواتنا إِلى العذراءِ مريم التي ولدت كلمة الله في إِيمانها وفي جسدها، كي ننغرس مثلَها في موت ابنها يسوعَ وقيامته من بين الأموات ونحصلَ على الحياة الأَبديّة.
 
 
Picture
سُمي الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني الذي بدأت أيام الشبيبة العالمية في فترة حبريته، شفيعاً ليوم الشبيبة العالمي الذي سيقام في مدريد، وذلك بعد إعلان تطويبه في الأول من أيار المقبل.

هذا النبأ أعلنه الكاردينال ستانيسلو ريلكو، رئيس المجلس الحبري للعلمانيين، المديرية الفاتيكانية المكلفة بالأيام العالمية، وذلك خلال مؤتمر عقد نهار الجمعة وضم أكثر من 200 مندوب اجتمعوا في مدريد من كافة أنحاء العالم للتحضير ليوم الشبيبة المقبل.

ذكر الكاردينال البولندي بأن كارول فوتيلا كان يعتبر "صديق الشباب"، وأعرب عن فرحه العظيم "لتمكنه من نقل النبأ خلال اجتماع المندوبين". وقد تلقى الحاضرون هذا النبأ بانفعال وتصفيق حار.

أوضح المونسنيور سيزار فرانكو، المنسق العام ليوم الشبيبة العالمي لسنة 2011 والأسقف المعاون في مدريد، أن يوحنا بولس الثاني ينضم إلى قائمة القديسين الإسبان العظماء، شفعاء يوم الشبيبة العالمي لسنة 2011: القديس إيسيدورس الفلاح، القديسة مريم الرأس، القديسة تريز يسوع، القديس اغناطيوس دو لويولا، القديس فرنسيسكو خابيير، القديس يوحنا الصليب، القديس يوحنا الأفيلي، القديسة روزا من ليما، والقديس رافاييل أرناييس.

 
 


٢/ آذار/ ٢۰١١

فصلٌ مِنْ رسَالةِ القدِّيس بولسَ الرَسُول إلى أهل فيلبّي, وبارك يا سيّد.  ( فيلبّي ١ : ٢١ - ٣۰ )

  أيها الإخوة، فَٱلـحَياةُ لي هِيَ الـمَسِيح، والـمَوْتُ رِبْحٌ لِي. ولـكِنْ، إِذا كانَتِ الـحَيَاةُ في الـجَسَدِ تُهِيِّئُ لِي عَمَلاً مُثْمِرًا، فلا أَدْرِي مَاذَا أَخْتَار. والأَمْرَانِ يتَجَاذَبَانِنِي: أَشْتَهِي أَنْ أَرْحَلَ وأَكُونَ مَعَ الـمَسِيح، وهـذَا أَفْضَلُ بِكَثِير. لـكِنَّ بَقائِي في الـجَسَدِ أَشَدُّ ضَرُورَةً مِنْ أَجْلِكُم. وبِهـذهِ الثِّقَةِ أَعْلَمُ أَنِّي سَأَبْقى وأُقِيمُ مَعَكُم جَمِيعًا، مِن أَجْلِ تَقَدُّمِكُم وفَرَحِكُم في الإِيْمَان، لِكَي يَزدَادَ ٱفْتِخَارُكُم بي في الـمَسِيحِ يَسُوع، عِنْدَ مَجِيئِي إِلَيْكُم مَرَّةً أُخْرَى. فَسِيرُوا إِذًا سِيرَةً جَدِيرَةً بإِنْجِيلِ الـمَسِيح، حَتَّى إِذَا جِئْتُ ورَأَيْتُكُم، أَو كُنْتُ غائِبًا أَسْمَعُ عَنْكُم أَنَّكُم ثَابِتُونَ في رُوحٍ واحِد، مُنَاضِلِينَ معًا بِنَفْسٍ واحِدَةٍ في سَبيلِ الإِيْمَانِ بِالإِنْجِيل. لا تَخَافُوا في شَيءٍ مِنَ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَكُم: إِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ لَهُم عَلى هَلاكِهِم، ولَكُم على خَلاصِكُم. وذَلِكَ هُوَ مِنَ الله. فقَدْ وُهِبَ لَكُم مِن أَجْلِ الـمَسِيح، لا أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا مِنْ أَجْلِهِ، مُجَاهِدِينَ الـجِهَادَ عَيْنَهُ الَّذي رأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وتَسْمَعُونَ الآنَ أَنِّي لا أَزَالُ أُجاهِدُهُ.

والتسبيح لله دائما.


 
 
من الكتاب المقدّس

صوت مناد في البرية: أعدوا طريق الرب. قوموا سبله. (متى ٣ : ٣)

 نعم يا رب, سبلنا معوجة, وقلوبنا ملتوية, وعقولنا مائلة عن الحق. فمن لنا بمناد في قفر نفوسنا, وبادية عيالنا وجماعاتنا, وصحراء مجتمعاتنا, الصغيرة والعالمية.

 إفتح قلوبنا يا رب, لنسمع صوتك, ونغني بشارتك, ونرجع إلى سبلك, فنحيا في رضاك وأمانك.

تأملات للبابا بندكتس السادس عشر

الأنانيّة

 إن الأنانية والحبّ الصادق ليسا غير متشابهين وحسب، ولكنهما أيضاً على طرفي نقيض، حيث يلغي أحدهما الآخر. فمن الممكن أن يكون المرء أنانياً خالصاً وأن يكون في نزاع مع ذاته في آنٍ معاً. فغالباً ما تُعزى الأنانية في الواقع إلى نزاع داخلي مع الذات، وإلى محاولة خلق "أنا" أخرى للذات، في حين أن الموقف السليم من الـ"أنا" الذاتية يتطوّر تلقائياً في جوّ من التحرر من الذات. ويجوز هنا الكلام حقيقةً عن حلقة أنثروبولوجية: فبقدر ما نجدّ في طلب ذاتنا دون سواها، ونسعى إلى تحقيق قدراتنا الخاصة، ويشغلنا فقط نجاح الـ"أنا" التي فينا وتحقيق هذه الـ"أنا"، بقدر ما تصبح هذه الـ"أنا" كريهة، ومثيرة للغضب والإشمئزاز. وهي تنشطر إلى آلاف الأشكال ولا تترك في نهاية الأمر سوى استياء وعدم رضى من الذات يؤدي إلى الهروب من الذات واللجوء إلى المخدرات أو غيرها من أشكال الأنانية الإتتحارية المختلفة. وحدها كلمة "نعم"التي تأتيني من الـ"أنتَ" تجعلني قادراً على أن أقول لنفسي "نعم" في الـ"أنتَ" ومن خلالها. فالـ"أنا" لا تحقق ذاتها إلا من خلال الآخر التي هي "أنتَ". وصحيحٌ أيضاً أننا فقط عندما نقبل ذاتنا نستطيع أن نقول "نعم" صادقة لأي شخص آخر. وأن أقبل ذاتي وأن "أحبّها" يفترض وجود الحقيقة وألا نتخلى أبداً عن سعينا لبلوغ هذه الحقيقة.

 
 
تذكار أبينا القديس يوحنا مارون بطريرك انطاكيه

٢/ آذار

 وُلِدَ يوحنا في قرية سروم القريبة من انطاكية. لقي يوحنا من والديه تربية مسيحية  تقية, وثقفاه في مدارس انطاكية ثم في القسطنطينية. ولمّا توفيّ والده, عاد إلى أنطاكية. ثم مضى إلى دير مار مارون على شاطئ العاصي, ولبس ثوب الرهبانية ورُقـِّيَ إلى درجة الكهنوت. سمِّيَ مارون نسبة إلى الدير الذي ترهب فيه. وشرع يتفانى غيرة على خلاص النفوس ويحميها من البدع. ووضع كتابه في العقيدة الكاثوليكية الصحيحة, مبرهنا أن في المسيح طبيعتين ومشيئتين وفعلين كاملين.

 ثمّ أنّ نائب البابا يوحنا الفيلادلفي رسمه اسقفا وأرسله إلى جبل لبنان سنة ٦٧٦, حيث أقيم أسقفا شرعيا على مدينة البترون وما يليها. وفي عام ٦٨٥, اجتمع رؤساء جبل لبنان واختاروا يوحنا مارون بطريركا انطاكيا

 وقد جاء في تقليد طائفتنا أنّ هذا البطريرك ذهب إلى روما, وأن البابا سرجيوس رحَّب به ووشَّحه بيده درع الرئاسة السامية. واتخذ الشعب الماروني هذا الإسم من ذلك الحين, ودُعوا "موارنة" نسبة إلى دير مار مارون وإلى يوحنا مارون الذي جعل كرسيه الأول في دير سيدة يانوح بين بلدتي قرطبه والعاقورة. وقد يكون, كما جاء في التقليد, أنه هو الذي أقام في كفرحي فوق البترون, ديرًا يُعرفُ تلآن بدير مار يوحنا مارون, وإليه نـُقِلت هامة القديس مارون إبي الطائفة.

 وعند تفشي داء الطاعون في البلاد, كان البطريرك يتفقد بذاته المطعونين ويشفيهم بصلاته. وحينئذ وضع نافور القداس المشهور بإسمه.

 وما زال هذا البطريرك القديس مجاهدًا في سبيل شعبه يعني بالمرضى والفقراء, ويبني لهم الكنائس والأديرة, ويوصيهم بالثبات في ايمانهم الكاثوليكي, إلى أن نقله الله إلى الأخدار السماوية في الثاني من شباط سنة ٧۰٧ للميلاد.

  صلاته معنا. آمين.