قداسة البابا

بندكتوس السادس عشر

  حاضرة الفاتيكان 2011

 









منشورات

اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام

جل الديب - لبنان



«تُدفَنون معه في المعموديّة، وتُنهَضون أَيضاً معه» (كو 2: 12).

أيّها الإخوة والأَخوات الأَعزاء،

1- الصيامُ الذي يقودنا إِلى الاحتفال بالفصح الكليِّ القداسة، يشكّل للكنيسة زمناً ليتورجيّاً بالغَ القيمة والأهميّة. لذا، بكلِّ سرور أُوجّه إِليكم هذه الرسالة، كي نتمكن فَنعيشَ هذا الصيام بما يتوجَّب من حرارة. إِن الجماعة الكنسيّة، في انتظارها اللقاءَ النهائيَّ مع عريسها في الفصح الأَبديّ، تكثّف سبيل تطهيرها بالروح، بصلاةٍ متواترة ومحبّة عاملة، كي تنهل بوفرةٍ أَكبر، من سرِّ الفداء، الحياةَ الجديدةَ التي في المسيح الربّ.

يومَ معموديّتنا، سبق ونلنا هذه الحياة، عندما «وقد أَصبحنا مشاركين في موت المسيح وقيامته» باشرنا «مغامرة التلميذ الفرحة المحمِّسة». يشدّد القديس بولس في رسالته، مرّاتٍ عديدةً، على الشراكة الخاصّة مع ابن الله، التي تتحقّق وتتمّ لحظة التغطيس في مياه المعمودية. ولمّا كان العمادُ يُمنح غالبَ الأَحيان في مطلع العمر فهذا دليلٌ واضحٌ على أَنه هبةٌ من الله: لا أحدَ يستحقُّ الحياة الأَبديّة بقواه الخاصة. إن الرحمة الإلهيّة التي تمحو الخطيئة وتمنحنا أَن نحيا كياننا مع «الأَفكار نفسها التي في المسيح يسوع»، تُعطى للإنسان مجّاناً.

إِن رسول الأُمم، في رسالته إِلى أهل فيليبّي، يُطلعنا على هذا التبدّل الذي يحصل بالاشتراك في موت المسيح وقيامته، ويدلّنا إِلى الهدف المتّبع: «...أن أَعرفَه هو، وأَعرفَ قدرةَ قيامته، والشراكة في آلامه، فأَصيرَ على صورته في الموت، على أَملِ البلوغ إِلى القيامة من بين الأَموات». المعموديّة إِذاً ليست طقساً أَو رتبةً من الماضي، إِنها اللقاءُ مع المسيح الذي يُعطي شكلاً لكيان المعمَّد بأكمله، وهي تَنقل إِليه الحياة الأَبديّة وتدعوه إِلى ارتدادٍ صادق، تحرّكه النعمة وتسانده، وتسمح له هكذا بأن يبلغ إِلى ملءِ قامة المسيح.

رباطٌ مميَّزٌ يجمع بين المعموديّة والصيام، بصفة هذا الأَخير زمناً صالحاً لاختبار النعمة التي تخلّص. لقد أَطلق آباءُ المجمع الفاتيكانيّ الثاني نداءً إِلى جميع رعاة الكنيسة كي «يُزاد في استعمال العناصر العماديّة الموجودة في ليتورجيّا الصوم الأَربعينيّ...».

في الواقع، جمعت الكنيسة منذ نشأتها بين السهرانيّة الفصحيّة والاحتفال بالمعموديّة: ففي هذا السرّ يتحققُ السرُّ العظيم حيث يموت الإنسان عن الخطيئة ويصبحُ شريكاً للحياة الجديدة في المسيحِ القائمِ من بين الأَموات، وينالُ روحَ الله نفسَه الذي أَقام يسوعَ من بين الأَموات. هذه العطيّة المجانيّة يجب أَن تتجدّد على الدوام في كلّ واحدٍ منّا، والصيامُ يوفّر لنا مساراً شبيهاً بمسار الموعوظيّة التي تشكّل لمسيحيّي اليوم، كما كانت لمسيحيّي الكنيسة الأُولى، مكاناً للتمرّن على الإِيمان والحياة المسيحيّة لا غنىً عنه: إِنهم يعيشون حقاً معموديتهم كعملٍ حاسمٍ يسِمُ وجودَهم كلَّه.

2- كي نسلك الطريقَ بجدٍّ نحو الفصح ونتهيّأَ للاحتفال بقيامةِ الربّ – التي هي أَبهج وأَفخم عيدٍ في السنة الليتورجيّة – ما الممكن أَن يتوافق وذاك السبيلَ سوى أَن ننقاد لكلمة الله؟ لذلك، فالكنيسة، من خلال نصوص الإِنجيل التي تُتلى في آحاد الصيام، تقودنا إِلى لقاءٍ في غاية العمق مع الربّ، وتجعلُنا نسلكُ من جديد مراحلَ التنشئة المسيحيّة: للموعوظين كي ينالوا سرَّ الحياة الجديدة؛ ولمن سبقوا وتعمّدوا، كي يقوموا بخطواتٍ حازمةٍ في إِثر المسيح، في عطاءٍ أَكثر كمالاً.

فالأَحدُ الأَوّلُ من مسيرة الزمن الأَربعينيّ يُلقي الضوءَ على وضعنا الأَرضيّ. إِن صراع يسوع الظافرَ على التجارب، الذي يَستهلّ به زمنَ رسالته، يدعونا إِلى وعي هشاشتنا كي نتقبّل النعمة التي تحرّرنا من الخطيئة وتقوّينا، بطريقةٍِ جديدة، في المسيحِ الطريقِ والحقِّ والحياة. إِنّها دعوةٌ ملحاحة تذكّرنا، على مثال يسوع وبالاتحاد معه، أَن الإِيمانَ المسيحيَّ يتطلّب صراعاً ضدّ «وُلاة عالمِ الظلمة هذا»، حيث الشيطان يعمل. وهو ما زال، حتى في أَيامنا الحاضرة، يجرّب كلَّ إِنسان يريد التقرّب من الرّب: والمسيحُ يخرج ظافراً من هذا الصراع كي يفتح قلبنا أَيضاً على الرجاء ويقودنا إِلى الانتصار على مغريات الشرّ.

إِنجيل تجلّي الربّ يجعلنا نتأمل في مجد المسيح الذي يسبق ويبشّر بالقيامة ويُعلن تأليه الإِنسان. وتكتشف الجماعةُ المسيحيّة أَنها، على أّثر الرسل بطرسَ ويعقوبَ ويوحنّا، تُقاد «إِلى موضعٍ منفرد، على جبلٍ عالٍ»، كي تتقبّل عطيةَ النعمة الإلهيّة، بطريقةٍ جديدة، في المسيح، بصفة أَعضائها أَبناءً في الابن: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ، فله اسمعوا». هذه الكلمات تدعونا إِلى التخلّي عن الصخبِ اليوميّ كي نغوص في حضرة الله: إِنه يريد أَن يبلّغنا كلَّ يومٍ كلمةً تنفذ حتى أَعماقِ الروح، حيث تميّز الخيرَ من الشرّ وتثبّت إِرادتنا في اتّباع الربّ.

«أَعطيني لأشرب». طلبُ يسوعَ هذا إِلى السامريّة، الواردُ في ليتورجيّا الأَحد الثالث، يعبّر عن حبّ الله لكلّ إِنسان ويريد أَن يثير في قلبنا الرغبةَ في الحصولِ على عطيّة «الماء المتفجّر حياةً أَبديّة»: هي عطيّة الروح القدس التي تجعل من المسيحيّين «عابدين حقيقيّين» قادرين على أَن «يعبدوا الآب بالروح والحقّ». وحدَها هذه الماء قادرةٌ على أَن تُروي عطشنا إِلى الخير والحقّ والجمال! وحدَها هذه الماءُ التي يمنحنا إِيّاها الابنُ قادرةٌ على أَن تسقي صحارى النفس القلقة والمتعطّشة «طالما لا ترتاح إِلاَّ في الله»، حسب التعبير الشهير الذي تفوّه به القديس أَوغسطينس.

«أَحدُ الأَكمَه» (أي الأَعمى منذ مولده) يقدّم لنا المسيح كنورٍ للعالم. والإنجيل يخاطب كلاًّ منّا، قائلاً: «أتؤمن أَنتَ بابن البشر؟». «نعم. قد آمنتُ، يا ربّ»، يجيب بفرحٍ الأكمَه الذي يتكلّم باسم كلِّ مؤمن. معجزة هذا الشفاء هي العلامة أن المسيحَ، بإعادة البصر، يريد كذلك أَن يفتح بصيرتنا حتى يكون إِيمانُنا أَكثرَ عمقاً، فنستطيعَ أَن نعرفَ فيه مخلّصنا الأَوحد. إِن المسيحَ يُضيءُ كلَّ ظلمات الحياة ويمنحُ الإِنسانَ أَن يحيا «كابنٍ للنور».

عندما يُعلن إِنجيلُ الأَحد الخامس قيامة لعازر، نجد أَنفسنا أَمام سرّ كياننا الأَسمى: «أَنا القيامة والحياة... أتؤمنين بهذا؟». على أثر مرتا، آن الأَوان للجماعة المسيحيّة أَن تضع، مجدّداً وبكلِّ وعي، رجاءَها كلَّه في يسوع الناصريّ: «نعم، يا ربّ، أَنا أُؤمن أَنكَ المسيح، أَنكَ ابنُ الله الآتي إِلى العالم». تُعدّنا الشراكة مع المسيح في هذه الحياة كي نجوز عائق الموت فنحيا في المسيح إِلى الأَبد. إِن الإِيمانَ بقيامة الأَموات ورجاءَ الحياة الأَبديّة يفتحان عقلنا فنفهمُ المعنى الأَسمى لكياننا: لقد خلق الله الإِنسان للقيامة وللحياة؛ هذه الحقيقة تضفي بُعداً حقيقيّاً وراسخاً على تاريخ البشريّة، على الكيان الشخصيّ، على الثقافة والسياسة والاقتصاد. إنّ الكون بأَسره يضمحلُّ إِذا ما حُرم نورَ الإيمان، ويصبحُ سجينَ قبر،ٍ فلا مستقبل له ولا رجاء.

مسيرةُ الصيام تجد تَمامها في الثلاثيّة الفصحيّة، وبالأَخصّ في السهرانيّة الكبرى، عشيّة الليلة المقدّسة: بتجديد مواعيد المعموديّة، نعلن مجدَّداً أَن المسيحَ هو سيّدُ حياتنا، هذه الحياة التي أَعطاناها الله عندما وُلدنا من جديد «بالماء والروح»، ونؤكّد من جديد عزمنا الراسخ على التجاوب مع فعل النعمة كي نكون تلاميذه.

3- إن تغطيسنا في موت المسيح وقيامته، بواسطة سرّ المعموديّة، يحثُّنا كلَّ يوم على تحرير قلبنا من ثقل الأَشياء الماديّة، من الارتباط الأَنانيّ مع «الأَرض»، الذي يفقّرنا ويحولُ دونَ أَن نكون جاهزين ومتقبّلين لله وللقريب. في المسيح، أَعلن الله أَنه محبّة. وصليبُ المسيح، «كلامُ الصليب» يُظهر قدرة الله الخلاصيّة التي تقدّم ذاتها كي تسموَ بالإِنسان وتقودَه إِلى الخلاص: إنّها طريقةُ الحبّ الأَكثر جذريّةً. بالممارسة التقليديّة للصوم والصدقة والصلاة، وهي علاماتٌ تؤكّد رغبتنا في الارتداد، يعلّمنا الصيام بأَن نحيا حبَّ المسيح بطريقة أَكثرَ فعاليّة على الدوام. إِن الصوم، ويمكن أَن تكون له أَسبابٌ مختلفة، يتّسم عند المسيحيّ بمعنى دينيّ عميق: عندما نخفّف من ترف مائدتنا، نتعلّم التغلّب على أَنانيّتنا فنحيا منطق العطاء والحبّ؛ وعندما نرتضي الحرمان من أَيِّ شيء – لا يكون فقط من النوافل -، نتعلّم أَن نشيحَ بالطرْف عن «الأَنا» فنكتشفَ شخصاً بالقرب منّا ونعرفَ الله في وجه العديد من إخوتنا. ممارسةُ المسيحيّ الصومَ ليس فيها شيءٌ من الخصوصيّة، لكنّها بالأَحرى انفتاحٌ على الله وعلى شقاء البشر؛ وتعمل بحيث تُصبح المحبّةُ لله محبّةً للقريب أَيضاً.

في طريقنا، نواجه أَيضاً تجربةَ التملّك وحبِّ المال التي تعارض أَولويّة الله في حياتنا. إِن جشع التملّك ولّد العنف والإخلالَ بالواجب والموت؛ لذلك فالكنيسة، بالأَخصّ في زمنِ الصيام، تدعو إِلى ممارسة الصدقة، أَي إِلى التقاسم. بينما، على العكس من ذلك، عبادةُ الخيرات لا تفصلنا فقط عن الآخرين، بل تفرغ الكائنَ البشريَّ وتهملُه في التعاسة، بالكذب عليه وخداعه دون أَن تحقّق له أَيّاً من وعودها، لأَنها تُحلُّ الخيورَ الماديّة محلَّ الله، ينبوعِ الحياة الأَوحد. كيف يمكننا إِذاً أَن نفهم صلاح الله الأَبويّ إِذا كان قلبنا مشبعاً من ذاته ومن مشاريعه التي توهم بأنها قادرةٌ على أَن تؤمّن مستقبلنا؟ فالتجربة تقوم على أَن نفكّر كالغنيّ في المثل: «يا نفسُ، إنّ لكِ خيراتٍ كثيرة، مدَّخرةً لسنين كثيرة…». ونعرف ما كان جوابُ الله: «يا جاهل، إِنكَ في هذه الليلة تُطلب منكَ نفسكَ…». إِن ممارسة الصدقة تُعيدنا إِلى أَولويّة الله وإِلى الاهتمام بالآخر، إِنها تجعلنا نكتشفُ من جديد صلاح الآب وننالُ رحمته.

في فترة زمن الصيام كلّه، تقدّم لنا الكنيسة بوفرةٍ كلامَ الله. بالتأمل فيه واستيعابه كي يتأوّن في الواقع اليوميّ، نكتشف طريقةَ صلاةٍ بالغةَ الثمن وفريدةً من نوعها. في الواقع، إِن الإصغاءَ المتنبِّه إِلى الله الذي يتحدّث إِلى قلبنا على الدوام، يغذّي طريقَ الإِيمان الذي سلكناه يومَ معموديّتنا، والصلاةُ تسمح لنا أَيضاً بأَن نلج في مفهومٍ جديدٍ للوقت: بدون منظور الأَبديّة والتسامي، ما الوقت في الواقع سوى إِيقاعٍ ينظّم وقع خطانا نحو أُفقٍ مسدودٍ. فيما، على العكس من ذلك، إذا صلّينا إِنما نكرّس وقتاً لله، فنكتشفُ أَنَّ «كلامه لا يزول»، وندخلُ في شراكةٍ حميمةٍ معه «لا يستطيع أحدٌ أَن ينتزعَها منّا»، وتُفضي بنا إِلى الرجاء الذي لا يخيب، إِلى الحياة الأَبديّة.

وخلاصة القول، إِن مسيرة الصيام، حيث نُدعى إِلى التأمل في سرّ الصليب، تعني أَن نصير «على صورة المسيح في موته» كي نحقق في حياتنا ارتداداً عميقاً: أن ننقاد لعمل الروح القدس فيبدِّلنا، كما تبدَّل القديس بولس على طريق دمشق؛ أن نكيّف بحزمٍ حياتنا، وفقاً لإرادة الله؛ أن نتحرّر من أَنانيّتنا فنتجاوزَ غريزةَ التسلّط على الآخرين وننفتحَ على محبّة المسيح. فترةُ الصيام هي زمنٌ صالحٌ لنعرفَ هشاشتنا، ونتقبّلَ، من خلال إِعادة نظرٍ في حياتنا صادقة، نعمةَ سرِّ التوبة المجدِّدة، فنسيرَ بعزمٍ نحو المسيح.

أَيّها الإخوة والأَخوات الأَعزاء،

بلقائنا الشخصيّ مع فادينا، وبممارسة الصوم والصدقة والصلاة، يقودنا طريقُ الارتداد نحو الفصح إِلى أَن نكتشف، بطريقة جديدة، معموديّتنا، لنتقبّلنَّ مجدّداً، في زمن الصيام هذا، النعمة التي منحنا إيّاها الله ساعةَ معموديّتنا، كي تنيرَ وتقودَ جميعَ أَعمالنا. ما يعنيه هذا السرّ ويحقِّقه، نحن مدعوّون إِلى أَن نحياه يوماً بعد يوم، باتّباعنا المسيح دائماً بسخاءٍ اَكبر وبمصداقيّة أَعظم.

في طريقنا هذا، نعهدُ بذواتنا إِلى العذراءِ مريم التي ولدت كلمة الله في إِيمانها وفي جسدها، كي ننغرس مثلَها في موت ابنها يسوعَ وقيامته من بين الأموات ونحصلَ على الحياة الأَبديّة.
 





Leave a Reply.